كلمة الدكتور فكتور بلّه
مدير مكتب
اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية – بيروت
أصحاب السعادة،
سيدّاتي، سادتي،
اسمحوا
لي، بادئ ذي بدء، بأن أعبّر لكم عن
فرحتي بلقائكم هنا جميعاً لمناسبة اليوم العالمي الثالث للفلسفة الذي تحتفل به
اليونسكو. وإنّه لمن دواعي سروري
وشرفي أن أتوّجه إليكم اليوم بهذه الكلمة.
لقد
أطلقت اليونسكو، في إطار مهمتها الفكرية والأخلاقية، اليوم العالمي للفلسفة في
العام 2002 بغية تعزيز المساحات العامة للاحتفال بالتفكير الفلسفي في كافّة أنحاء
العالم. ويكمن الهدف من ذلك في تشجيع الناس على تقاسم تراثهم
الفلسفي وفتح نطاق تفكيرهم اليومي على الأفكار الجديدة من جهة، وفي تشجيع النقاش
بين المفكرين والمجتمع المدني حول التحديات التي تواجه المجتمع اليوم من جهة أخرى.
فتؤمّن الفلسفة الأساس الفكري للمبادئ والقيم التي تحدّد إمكانية إرساء السلام
العالمي، ألا وهي الديمقراطية،
وحقوق الإنسان، والعدالة، والمساواة. ولطالما كان التفكير في مشاكل المجتمع
العصري التي لم تحلّ وفي أسئلته التي لم تتم الإجابة عنها في جوهر التحليل
والتفكير الفلسفيين. هكذا، فإن الفلسفة التي كان ينظر إليها القدماء بأنها بنت
الحكمة (صوفيا) أو صديقتها، إنما هي السرير الفكري الذي يجب أن تنعم به كل
المحاولات الهادفة إلى تطوير حياتنا على الأرض أملا في أن يصبح العيش بسلام حقيقة
مطلقة للجميع.
كان
سقراط أبو الفلسفة يردد أمام مريديه كما أمام خصومه أنه لا يعرف شيئا. وبذلك كان
يعطي درسا أولا في الطريق إلى المعرفة ألا وهو التواضع. ليس التواضع الشكلي بل
التواضع الجوهري الذي يقوم على مسلمة اكتشاف كون المعرفة غير المحدود، والذي حين
نبدأ السير فيه يصبح التوقف مستحيلا لأن اكتشاف ما نجهله يزداد يوما بعد يوم. وما
نعرفه يبقى ضئيلا حيال الكون المجهول.
سيداتي
سادتي،
إنني
مسرور للغاية لوجودي معكم هنا اليوم، لأن أمل اليونسكو كان عند إطلاقها اليوم
العالمي للفلسفة هو تشجيع الطلبة والباحثين العصاميين من العالم أجمع على اغتنام
هذه الفرصة للتفكير في العالم كما هو قائم اليوم وفي تحليله بطريقة نقدية ومتعمقة.
لأن التفكير الفلسفي لا يكتفي، على ما أعتقد، بمتعة الفكر وحدها (وهي متعة حقيقية
فعلا) وإنما يمضي أبعد من ذلك في المساعدة على اكتشاف الحلول أمام مشاكل
مجتمعاتنا، عبر تقديمه التربة المعنوية والروحية (بمعنى العقلية) للعمل على تطوير
مجتمعاتنا في طريق الحق والخير والجمال. والمحاور التي سيتم التطرّق إليها اليوم
دليل على هذا الطموح الذي نأمله من الفلسفة. وهذه المحاور هي : قيم الديمقراطية
والتربية للديمقراطية، والليبرالية والديمقراطية، والدين والديمقراطية، وهي جميعها
محاور موائمة وهامة لا للمجتمع اللبناني فحسب بل أيضاً للمنطقة والعالم بشكل أوسع.
لا
يمكن لمستقبلنا المخيف، الذي ينذر به عالمنا اليوم، إلاَّ أن يدفعنا لنكون عاملين
من أجل تغيير المسار الحالي، لا مجرد متفرجين على خرابنا. فطالما آمنت اليونسكو
بقوة الأفكار والمفكّرين في المجتمعات التي تتقدّم في الاتجاه الصحيح. فيضطلع
المفكّرون، من وجهة نظرنا، بمسؤولية وبدور هامين في توجيه البشرية وتزويدها برؤية
قد تنقصها أو تتغاضى عنها. لهذا السبب
فإنّ حدث اليوم غاية في الأهمية. لأنه حدث يسائلنا كما كان سقراط يردد لأن نعرف
نفسنا بنفسنا : "أعرف نفسك بنفسك".
ولمناسبة اليوم العالمي الثالث للفلسفة
الذي نحتفل به اليوم، سوف يشارك أكثر من سبعين بلداً من الأرجنتين إلى كندا، ومن
جنوب إفريقيا إلى جمهورية الصين الشعبية، بالإضافة إلى التلامذة، والطلبة،
والفنانين، والنشطاء، في مناقشات متعمقة وخلاّقة حول محاور مناسبة لمجتمعاتهم
المحلية. وإنني ممتنّ وفخور بأنّ تكون اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو قد
اضطلعت بمثل هذا الدور الريادي لجهة تنظيم هذا الحدث الذي يضع لبنان في فئة
البلدان التي تحتفل باليوم العالمي للفلسفة.
سيّداتي،
سادتي،
يشهد
حضوركم اليوم على التزامنا بفهم طريقة سير الديمقراطية عبر ما تم إنجازه من أعمال
الفكر الفلسفي في قواعد الحياة الاجتماعية. فلا بد من أن يمهّد الفهم الأفضل
للقيم، والمبادئ، واستيعاب العراقيل التي تحول دون التنمية الديمقراطية، الطريقَ
أمامَ السلام العالمي الذي لا يزال طريقا مجهولا. كما أن حضوركم يشهد على الأمل
المشترك في إمكانية تطوير العمل والمسار الإنسانيين بفضل هذه الآلة
العجيبة التي تسمى التفكير.
حضرات
السيدات والسادة،
سئل
ديوجين مرة : "متى تطيب الدنيا؟" فأجاب : "حينما يصبح ملوكها حكماء
وحكماؤها ملوكا". وعندما سئل الإسكندر "ماذا أردت أن تكون لو لم تكن
الإسكندر؟" فقال : "لو لم اكن الإسكندر لأردت أن أكون ديوجين". وما
حضوركم هنا إلا محاولة لتجسيد ذلك الحلم بعالم تحكمه الحكمة.
وشكراً.