مسألة الإسلام والديمقراطية

في أفكارالإسلاميين المعاصرين

(موجز )

 

رضوان السيد

 

       قمتُ في بحثي هذا بدراسة أربع مسائل لتبيُّن رأي الإسلاميين فيها اليوم ، والتطورات خلال العقود الأربعة الماضية والتي أدت لذلك : الموقف من مبدأ المواطنة ، والموقف من النظام السياسي المدني ، والموقف من التعددية الثقافية والسياسية ، وأخيراًالموقف من العالم أو رؤية العالم ، ورؤى العلاقات به .

       وقد قدّمْتُ لذلك بتحقيبٍ للفكر الإسلامي في مرحلتين : مرحلة الفكر الإصلاحي (1832-1935 ) ، ومرحلة الفكر الإحيائي والأصولي منذ الأربعينات وحتى اليوم . أما الفكر الإصلاحي فقد كانت إشكاليته التقدم ، ولذلك حاول ملاءمة الشورى مع الحكم الدستوري ومع الديمقراطية . أما الفكر الإحيائي  فإشكاليتُه الحفاظُ على الهوية ، وبالتالي التدقيق في أشكال الأصالة ورموزها وممارساتها ، وما دام الأمر كذلك فإنّ الإسلاميين الحزبيين الجدد قاموا بمراجعةٍ نقديةٍ لتياري الإسلام التقليدي والآخر الإصلاحي . فنبذوا الأول بتهمة الجمود والتخلُّف والتواكُل ، ونبذوا الآخر بالتغريب والماسونية والعلمانية .

       وفي مجال دراسة المسائل الأربع السالفةالذكر ، ذكرتُ أنّ الإصلاحيين أقروا  مبدأ المواطنة   أخذاً عن التنظيمات العثمانية ، وتأثراً بالممارسة الفرنسية . لكنّ  الصحويين في إبان فورتهم اعتبروا الدولة الإسلامية دولةً عقدية ، أي أنها تميّز بين مواطنيها على أساس الدين ؛ ولهذا جدّدوا امتداح نظام أهل الذمة . ثم جاء المراجعون المعتدلون في الثمانينات فعادوا لإقرار مبدأ المواطنة ؛ لكنْ ماتزال عندهم إشكالياتٌ في مسألة المرجعية ، وهل هي للشعب أم للشريعة .

       وفي التنظيم السياسي للمجتمع والدولة ؛ قال الإسلاميون في إبّان فورتهم بالحاكمية الإلهية ، وبوجود نظامٍ كاملٍ لدى الإسلام يشمل كل شيئ ؛ فكان ذلك لديهم سداً في بحث مسألة الديمقراطية لأنّ المرجعية لله وليست للشعب . ثم جاء المراجعون المستقلون في الثمانينات واعتبروا الديمقراطية أقرب نظم الحكم لقيم الإسلام ، كما اعتبرو أنّ الجانب التدبيري مرجعيتُهُ شعبية ، وتبقى المرجعية العليا للشريعة .

       وفي الثمانينات والتسعينات ظهرت اجتهاداتٌ إسلاميةٌ كثيرةٌ تقول بالتعددية السياسية ، ثم الثقافية . ولذلك أقر التيار الرئيسي بين الإسلاميين قيام الأحزاب السياسية ، والدخول في تحالفات جبهوية ، وخوض الانتخابات ، واعتبار ذلك كلّه من المسائل التدبيرية التي تخضع لإدراك المصالح .

       وهؤلاء المُراجعون هم الذين يعودون لمقاصد الشريعة ، ويعتبرون تبعاً للقرآن أنّ أهمَّ مقاصد الخالق في الحياة الإنسانية : التعارف والاعتراف ، كما جاء في الآية الكريمة . ولذلك يجهدون لتجديد الفكر والرؤى في ما يتعلق بالعلاقة مع العالم . ويعتبرون أنّ المتشددين شركاء في المسؤولية عن سوء علاقاتنا بالعالم .

       ويبقى أنّ هذه الرؤى المنفتحة والمتجددة ما تزال تُعاني من مسألة صَون الهوية والحفاظ عليها ، كماتُعاني من فشل التجربة السياسية العربية ، وأخيراً وليس آخِراً من الهجمة الأميركية على العرب والمسلمين . 

 

مسألة الإسلام والديمقراطية

في أفكار الإسلاميين المعاصرين

 

                                                       رضوان السيد

I

 

       قد لا يكونُ من المفيد هنا الخوضُ طويلاً في معاني الإسلام والديمقراطية ، بل سأعمدُ لبحث وتقييم أربع مسائل في الفكر الإسلامي المعاصر ، كيف ظهرت وتطورت بعد أن أتحدثَ عن الموقف الراهن ، ثم عن حظوظ " الإسلام الديمقراطي " وإمكانياته ومستقبله . والمسائل الأربع التي سأختم بها هي : الموقف من مبدأ المواطنة ، والموقف من التنظيم السياسي للمجتمع والسلطة السياسية ، والموقف من التعددية الثقافية والسياسيّة ، وأخيراً الموقف من العالم أو رؤية العالم ، ورؤى العلاقات به .

       والواقع أنّ النقاشات الثقافية في الليبرالية والديمقراطية  بدأت في المجال العربي المعاصر في مطلع الستينات من القرن العشرين . أما قبل ذلك ، بل ومنذ مطلع القرن العشرين ؛فإنّ النقاشات حول قضايا التحديث والعلاقة بالعالم ، كانت تجري تحت عنوان  العلمانية أو العلمانية والإسلام ،  أو حول علاقة الشورى بالحكم الدستوري . وكان من سوء الحظ ، وعمل السياقات أن تضاءل النقاش لدى الإسلاميين في حقبة ما بين الحربين حول الدستور والشورى والنظام السياسي ، لصالح القراءة السلبية لعلائق التناقض بين الإسلام والعلمانية . ذلك أنّ العلمانية التي كان يجري ربطها بالحداثة والتقدم هي العلمانية الفرنسية التي تتضمّنُ فصلاً عنيفاً بين الدين والدولة ، والتي عرفها المشرق بعد الحرب الأولى في نظام أتاتورك . ولهذا السبب ؛ فإنّ انتقال النقاش لدى المفكرين الإسلاميين من العلمانية والإسلام ، وإلى الديمقراطية والإسلام ، حمل معه كثيراً من مواريث وآثار الرؤى السلبية السابقة . إذ في الوقت الذي كان فيه رفضُ العلمانية جارياً على قَدَمٍ وساق ؛ كان الهجومُ يتناولُ قيماً ثقافيةً وسياسيةً أُخرى وصلت لدى الإسلاميين في العالمين العربي والإسلامي في الأربعينات والخمسينات إلى حدود رفض الغرب كلِّه ، طبعاً ليس بسبب العلمانية وحسب ؛ بل ولأسبابٍ أخرى تتصل بالمتغيرات في المشرق العربي في حقبة ما بين الحربين :الأولى (1914-1918) ، والثانية (1939-1945) ، والمتغيِّرات في الفكر الإسلامي نفسه ، وظهور حركات الإحياء الإسلامي في الفترة نفسها .

       انتقالُ النقاش من إمكان العلمانية ( يعني الحداثة والتقدم ) مع الإسلام إلى إمكان الليبرالية ( التي تعني الحداثة والتقدم ، لكنها تعني أيضاً الديمقراطية ) مع الإسلام ، ما كان لأسبابٍ ثقافيةٍ ؛ بل بسبب ظروف الحرب الباردة . والمعروف أنّ الإسلاميين الإحيائيين الجُدُد لم يكونوا في الواجهة وقتَها ؛ بل الحكوماتُ العربيةُ التقدمية التي كانت تتجهُ في البلدان العربية الرئيسية ( مصر وسورية والعراق ثم الجزائر وليبيا والسودان واليمن الجنوبي ) للتحالف مع الاتحاد السوفياتي ، وتعتمد نظام الحزب الواحد ، والاقتصاديات الاشتراكية . وفي مُواجهة هذه الجبهة التقدمية العربية المنحازة لطَرَفٍ في الحرب الباردة ، قامت جبهةٌ أُخرى عربية من الدول المحافظة متحالفة مع الولايات المتحدة ، والتحالف الأطلسي ، تُصارعُ الأنظمة القومية والاشتراكية على مواقع النفوذ ، وفي الدين والثقافة أيضاً ( أنظر ، مالكولم كير : الحرب الباردة العربية ) .

       نُشِرت في عقد الستينات ( وفي مصر على الخصوص ) مئات المقالات ، وعشرات الكتب حول العلاقة الوثيقة بين الإسلام والاشتراكية . كما أقبل النظام المصري ، والأنظمة التقدمية الأخرى على استخدام المؤسسات الدينية التقليدية في إصدار فتاوى ضدّ الغرب الرأسمالي ، والحكومات العربية والإسلامية الموالية له ، وضدَّ الحركات الإسلامية المتطرفة ، التي كانت تتمردُ على تلك الأنظمة في مصر وسورية ، وفي بلدان إسلامية غير عربية مثل الباكستان وإندونيسيا .وردَّت الأنظمة العربية الموالية للولايات المتحدة من خلال الإسلاميين الذين ألجأَتْهم في أراضيها ، بدراسـاتٍ ونشـراتٍ كثيرةٍ تتهـمُ الأنظمة التقدمية العربية بالإلحاد ، وتشبّه نظامَ عبد الناصر أو النظامَ السوريَّ بنظام أتاتورك في العشرينات والثلاثينات.

       ما كان بوسع الإسلاميين الذين كانوا يدافعون في الستينات عن الحكومات العربية والإسلامية المحافظة المتحالفة مع الولايات المتحدة ، أن يستخدموا سلاحَ الليبرالية أو الديموقراطية ضد الأنظمة التقدمية . فالأنظمةُ التي ينطلقونَ منها ليست ليبراليةً أو ديموقراطية . ولذا فالذين استخدموا الليبرالية والديمقراطية هم المثقفون الأكثر حداثةً ، والمقيمون غالباً بإحدى الدول الأوروبية أو بلبنان أوتونس . وهؤلاء ما كان اهتمامُهُم منصباً على متغيرات الأنظمة السياسية ؛ بل على ضرورة تغيير المجتمع . فالحكومات عندهم سواءٌ أكانت محافِظة أو ديكتاتورية ، ليست هي المشكلة الرئيسية ؛ بل المجتمعات التقليدية هي الحائلةُ دون التقدم والحداثة ، وهي بوجوه ضَعفِها ، وعاداتها الدينية ، وانتشار الفقر والتخلُّف فيها ، تسمحُ للأنظمة الكوربوراتية ذات النزعة الاشتراكية بالسيطرة عليها ( أنظر Polk  وChambers و Mansfield وWinder  و Hourani و Lewis  ). وهكذا فإنّ التغيير ضروريٌّ ، ولكنْ ليس من فوق مثلما تفعلُ الأنظمة العربيةُ التي يقودُها العسكريون ؛ بل من طريق التغيير الاجتماعي والثقافي لتهيئة المجال لنشوء نُخَب المجتمع المدني ، والليبرالية والديموقراطية . وقد ضَرَبَ بعضُ هؤلاء ( حوراني ووايندر وآدامز ) مَثَلاً بحركة الإصلاح الإسلامي ( تيار محمد عبده) التي قدّمت التغيير الاجتماعيَّ والثقافيَّ والتربويَّ على التغيير السياسي ، والتي وإن لم ترتض العلمانية في صيغتِها الفرنسية ، لكنها كانت تقولُ بمجالين مستقلَّين : المجال السياسي ، والمجال الديني . وتساوقت مع هذا النقاش دراساتٌ في الستينات والسبعينات من القرن العشرين ، تعيدُ النظر في الأصول الفكرية الحقيقية لرموز التيار الإصلاحي ، مرجِّحةً أنهم كانوا ماسونيين أولا أدريين ؛ وبالذات جمال الدين ومحمد عبده . وقيل بعدها إنّ هذا يعلِّلُ حيادية كثيرٍ من تلامذتهما إزاءَ الإسلام أومعاداتهم له ؛ مثل أحمد لطفي السيد وعلي عبد الرازق وسعد زغلول وطه حسين .

       وصل النقاشُ حول الليبرالية إذن ، بسرعة أواسط السبعينات من القرن العشرين إلى طريقٍ مسدود . ففي الوقت الذي كان فيه المُناقشون غير مؤيدين للأنظمة الثورية الجديدة ( إما لأنهم أرادوها أكثر راديكالية أو أكثر ليبرالية ) قادتهم النزعة الثقافوية إلى ما يشبه الأبيض والأسود ، وإلى مُناصرة عشوائية التغييريين بدون قصد . الليبرالية تعني عندهم بالتحديد الحداثة في مواجهة والتقليد . والحداثة اجتماعيةٌ وثقافيةٌ وليست سياسيةً بالدرجة الأولى . ونزعُ القداسة عن الأعراف والنصوص نقطةٌ مهمةٌ في التحديث الاجتماعي والثقافي وبالتالي السياسي . والنموذجُ المعاصر لذلك المجتمعات الأوروبيةُ التي أخرجت الدينَ من المجال العامَ . أما المُقابل العربيُّ والذي لم يكتمل فهو الإصلاحيةُ الإسلاميةُ التي خَنَقَتها الأصولية . وقد كان بوسع التحديثيين العرب الرجوعَ لتجربة التنظيمات العثمانية أواسط القرن التاسع عشر ، والتي كانت شاملةً وذات أبعادٍ ثقافيةٍ وسياسية ؛ لكنهم لم يفعلوا ذلك لكراهيتهم للماضي العثماني باعتبارهم قوميين عرباً ، ولأنهم أرادوا نموذجاً مُعاصراً وناجحاً .

       لكنْ في الوقت الذي كانت فيه الليبرالية تبدو على أيدي الحداثيين العرب ، ودارسي الشرق الأوسط ، أيديولوجيا تحديثية ، كان الإسلاميون الجدد ، العائشون في ظلّ المحافظين العرب ، يصفّون حساباتِهم مع هذه الليبرالية المُعادية للدين ، كما صفَّوها مع العلمانية من قبل ، ويتجهون عبر إدانة الإصلاحية الإسلامية باعتبارها متغرِّبة ؛ لرسم معالم النظام الإسلامي الجديد ، بعيداً عن الغرب كلِّه بوجهيه الرأسمالي والماركسي . وقد اتفقوا مع التحديثيين العرب والمسلمين في نقطةٍ واحدةٍ فقط وهي العداءُ للتقليد الإسلامي ، في الفكر والمؤسسات ، باعتباره جامداً تارةً ، وباعتباره أداةً لدى الأنظمة المسيطرة ، تارةً أُخرى.

 

 

II

 

       أجريتُ عام 1971 مقابلةً لمجلة " الفكر الإسلامي " الصادرة عن دار الفتوى بلبنان ، مع مالك بن نبي (ت.عام 1973) المفكر الإسلامي الجزائري ، الذي كان إصلاحياً ثم صار تغييرياً أواخر عُمُرِه ، دون أن ينتمي إلى حركةٍ حزبية . كنتُ قد تخرجتُ في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بمصر عام 1970 ، وعدتُ إلى لبنان للعمل بالمجلة السالفة الذكر التي كانت تُصدرُها دارُ الفتوى ببيروت .وقد عبَّرت لابن نبي عن انزعاجي من جمود الأزهر والمؤسسسات الدينية الإسلامية إزاءَ المتغيرات ، وتبعيتها للأنظمة السياسية في الدول التقدمية والمحافظة . فقال لي : هذا أمرٌ يدعو للانزعاج فعلاً . لكنّ الظاهرةَ الأبرزَ في الموقف اليوم هي في مكانٍ آخر ؛ ألا تلاحظُ أنّ التقليدَ الإسلاميَّ الذي انت منزعجٌ منه ، لا يُزعجُ العلمانيين والتحديثيين فقط من أمثال العَظْم وأركون والبيطار وصعب ؛ بل يُزعجُ أيضاً إسلاميين كباراً مثل المودودي ومحمد قطب والغزالي والقرضاوي ؟ إنني أرى أنّ هذا الإسلامَ الاحتجاجيّ المتصاعدَ سيشغُلنا في السنوات المقبلة ، بينما نحن غافلون الآن ، ومستمتعون بالحملة على الغرب ، وعلى الرأسمالية والاشتراكية ! الإسلامُ " البروتستانتي " الصاعد هو إسلامُ الثورة المُضادّة ، حسب تعبير الماركسيين !

       ما فهمتُ وقتَها كلام مالك بن نبي ، لأنني وزملائي من غير الحزبيين ، كنا نعتبرُ الحَرَكيين الإسلاميين تقليديين جُدُداً أو مُحافظين جُدُداً ، لا يميّزُهُم عن شيوخ الأزهر والقرويين إلا أنهم مسيَّسون ، ويعملون من خارج المؤسَّسات ، بسبب اصطدامهم بالسُلُطات الجديدة . لكنْ مع الوقت  ، وخلال الثمانينات ، وبعد انتشار الثوران الديني في مصر وسورية ، واغتيال الرئيس السادات عام 1981 ،  أدركْتُ مثل الآخرين أنّ هناك إسلاماً إحيائياً قوياً  ، يسمّيه معتنقوهُ " صحوةً  إسلامية " ، ويملكُ نهجاً متكاملاً في شتّى المسائل  ، ويعملُ على تطبيقه في الحياتين الخاصة والعامة . وأرى الآن أنّ نزوعَ الهوية هذا بدأ في عشرينيات القرن العشرين ، عندما سقطت دولةُ الخلافة العثمانية ، وبدأ ظهورُ " الدول الوطنية " في الوطن العربي والعالم الإسلامي .وقد اتّسم ظهورالدولة المصرية المستقلّة بشيئٍ من الغموض ؛ إذ انطلقت التظاهـرات ضدَّ البريطانيين ، ومع البطل الوطني سعد زغلول ، من الأزهر . لكنّ مصطفى كمال لم يترك شيئاً غامضاً عندما أسّس جمهوريته التركية على أنقاض الخلافة ، وباسم القومية العلمانية. وأسّس الفرنسيون دولة لبنان الكبير على ما سمَّوه : الأمة اللبنانية ، في دستور العام 1926 . ومن هنا كان سؤال الإصلاحيَّين المتحولين رشيد رضا (-1935 ) ، وشكيب أرسلان (-1946 ) ، وكلاهما من أصلٍ لبناني : كيف يمكن أن تتأسَّس الدولةُ في عالم الإسلام على الجنسية(ويعنُونَ بها القومية )؟! ويُضافُ لذلك عنصرٌ آخَرُ أنّ الكيانات العربية والإسلامية الأولى (باستثناء تركيا ) نشأت في ظلّ الاستعمار ، وصيغت في ظلّه دساتيـرها وتنظيماتُها ومؤسساتُها. فظهرت نتيجةَ ذلك ؛ وفي المشرق العربي ، والهند ، وآسيا الوسطى ، وإندونيسيا حركاتُ هويةٍ ، همُّها الحفاظُ على الطهورية الإسلامية في المجتمع والثقافة والدولة . وجرى التعبيرُ عن هذا النزوع بإنشاء تجمعات وأحزاب تتخذ من الإسلام شعاراً مثل حركة الشبان المسلمين (1927 ) ، والإخوان المسلمين (1928) ، واتحاد الشبيبة الإسلامية فـي بلاد الشام (1933) ، وإحياء السنة (1933) ، والجمعية الشرعية (1934 ) .. الخ . وأنشأت تلك الحركات لنفسها مدارسها الخاصة ، ونواديها الرياضية ، ومؤسَّساتها الاقتصادية ..وصولاً إلى مصانع الملابس الإسلامية للنساء والرجال . وإلى جانب الاهتمام بالحياة العائلية ، والقيم الأُسَرية ، والمسائل الشعائرية والرمزية ؛ ظهرت الكتب والنشرات النقدية للتبشير والاستعمار، ثم للغرب كلِّه باعتباره النموذَج النقيضَ للنموذج الإسلامي . وساعد على الإقناع بتلك الكتابات الاستعمارالأوروبي للعالم الإسلامي ، ونشوب الحرب العالمية الثانية بما جلبتْهُ من أهوالٍ ، ثم المذابح بين المسلمين والهندوس في  شبه القارّة الهندية ، وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين .

       حتى أواسط الخمسينات ، وعلى الرغم من انتشار كتابات لَعْن الغرب ، والأنظمة الموالية له في العالم الإسلامي ؛ كان الإسلاميون في مصر وسورية والباكستان ما يزالون على استعدادٍ للمشاركة في السلطة من مواقع النقد والتصحيح . ثم جاء الصِدامُ بين الإخوان المسلمين بمصر ونظام جمال عبد الناصر - ففتح ذلك صراعاً استمرّ حتى السبعينات ، وأدّى إلى بلورة نظريةٍ سياسيةٍ مستقلةٍ لدى الإسلاميين ما تزالُ مسيطرةً حتى اليوم . استمدَّ سيد قطب رؤيته للحاكمية الإلهية من المودودي ، وهي تقومُ على جانبين ، نقدي وبنائي . الجانبُ النقديُّ يرى أنَّ العالم المعاصر عالَمُ جاهليةٍ وطاغوت ، وأنّ أنظمة الحكم في العالم الإسلامي صارت جزءًا منه . والجانب البنائي يقول بضرورة إقامة الدولة الإسلامية التي تُطبِّقُ الشريعة لإعادة المشروعية إلى  مجتمعات المسلمين ودُوَلهم .

       وبسبب الاضطهاد الذي تعرض له الإسلاميون في الدول العربية والإسلامية فيما بين الستينات والثمانينات ؛ فقد نشأ إحساسٌ قويٌّ بالحصار ، وبوجود مؤامرةٍ عالميةٍعليهم ( أي على الإسلام باعتبارهم ممثليه الوحيدين ) ؛ لذلك سادت حالةٌ من السوداوية النضالية تجاه العالم ، دفعت بأجزاءَ من الحركة الإسلامية باتجاه العُنْف – أما الأجزاء الرئيسية والتي لا تقولُ بالعنف وسيلةً لإقامة الدولة ؛ فإنها هي التي بدأت منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي ، تُعيدُ النظر في أجزاءَ من النظرية ، وفي الممارسة ، وفي العلاقة بالعالم من خلال القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان .  

 

III

      

       يقول الشيخ يوسف القرضاوي ، كبير مفكّري الإسلام الإحيائي اليوم ، في كتابه : " الحلّ الإسلامي فريضة وضرورة " الصادر عام 1974 : لقد جرَّبْنا الغربَ بوجهيه الرأسمالي الليبرالي ، والاشتراكي الماركسي . أما الأول ففشِل في الحرب على فلسطين عام 1948 ، وأما الثاني ففشِل في حرب العام 1967 . ولهذا فإنَّ الحلَّ الإسلاميَّ فضلاً عن أنه فريضةٌ وواجبٌ من الناحية الدينية ، صار ضرورياً من الناحية الإنسانية والسياسية . بيد أنّ الشيخ القرضاويَّ ، الذي رفض الليبرالية والديمقراطية في ذروة حقبة التأزُّم بين الإسلاميين والعالم مطلع السبعينات ، عاد فقال بها أو بهما في كتابه : " فتاوى معاصِرة " عام 1987 . قال القرضاوي في الفتاوى  إنّ نظامَ الحكم الديموقراطي ، الذي يقومُ على الانتخابات واختيار الناس لممثليهم وحكّامهم هو أقربُ الأنظمة إلى نظام الشورى الإسلامي . صحيحٌ أنّ الانتخابات يمكن أن تتعرض للتزوير ، وأنّ النظام نفسَهُ يمكن أن يَفْسُدَ ، لكنه أفضلُ بما لا يُقـاسُ من نظام الحزب الواحد ، ومن تأليه الحكّام كما يحدثُ في النظم الشمولية . ويحتجُّ القرضاوي لوجهة نظره بكلام الشيخ محمد عبده عن أنّ نظام الحكم في الإسلام مدنيٌّ وإنساني ؛ وبذلك يغادر القرضاوي نظرية الحاكمية لدى المودودي وقطب ، كما يتنكَّرُ للقائلين من الإسلاميين بتناقض الإسلام مع الديموقراطية ، باعتبار أنها " حكم الشعب " ، بينما الإسلام " حكم الله " . ففي هذه المسألة يفرّق القرضاوي ، مثله في ذلك مثل محمد عمارة ومحمد سليم العوَّا وأحمد كمال أبوالمجد وراشد الغنوشي بين الحكم والتدبير . فالحكم أو المرجعية العليا لله ، لكنّ الناس موكولٌ إليهم تدبير شؤون حياتهم اليومية في سائر النواحي . فيمكن أن  يكون هناك دستور ينصُّ على أنّ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ،وإذا تناقض قانونٌ أو قرارٌ معها فيمكن أن يُصحح أو يُعدَّلَ بالعرض على المجلس الدستوري الذي يكونُ بين أعضائه علماء .

       وهكذا فإنّ القرضاوي وأكثر الإسلاميين من جماعات التيار الرئيسي ما يزالون يعتبرون المرجعية العليا للشريعة ، وليس لإجماع الناس أو أكثريتهم كما هو المعروف في الإسلام السني التقليدي . إذ يغلبُ في رؤيتهم للشريعة أو القانون الإلهي الطابع القانوني المُلزم ، وليس الطابع الثقافي أو الرمزي العامّ . فالديمقراطية التي يقولون بها ديمقراطية إجرائية أو تدبيرية . وما يزال كثيرون من هؤلاء المراجعين النقديين لأطروحات المتشددين شديدي التشكك في الأساس الليبرالي للديمقراطية ؛ ويعيـدون ذلك لارتباط الليبرالية بالعلمانية تارةً ، أو بمعاداة الغرب للإسلام تارةً أُخرى . وهم يعبِّرون عن ذلك بإبطال " المرجعية العليا " للشريعة ؛ في مواجهة مرجعية الديمقراطية وهي الليبرالية . وهذا دليلٌ على استمرار قوة دوغما الهوية المتفردة والطهورية لديهم من جهة ، والأصل الجدالي والنزاعي المتأزم للأصولية الثاوي من حقبة الحرب الباردة . ويظهر ذلك بوضوحٍ عند الحديث عن المُواطنة . فقد كان الإصلاحيون المسلمون وامتداداتُهم حتى الشيخ محمود شلتوت (-1963) يرون أنّ مسألةَ اهل الذمة جرى تجاوُزُها منذ منتصف القرن التاسع عشر من خلال التنظيمات العثمانية ، وأنّ الناس اليوم في مختلف الدول الإسلامية وعلى اختلاف أديانهم وأعراقهم ، متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون باعتبارهم جميعاً  مواطنين ، ولا تمييز للمسلم على غير المسلم . ثم شكّك الإحيائيون الإسلاميون في هذا المبدأ ، باعتبار أنّ الدولة الإسلامية دولةٌ عقائديةٌ بحسب فتحي عثمان ، فهي تقوم على الدين ، ولا يمكن التسويةُ بين المسلم وغير المسلم لمناقضة ذلك للقرآن والسنة . وفي حقبة الصراع بين الخمسينات والثمانينات ، نُشرت كتبٌ كثيرةٌ عن محاسن نظام أهل الذمة ، كما اعتدى إسلاميون متطرفون على المسيحيين في بعض الدول العربية والإسلامية . لكنْ منذ الثمانينات بدأ الإسلاميون المصريون يُراجعون مسألة المواطنة فقالوا بأنها تحققت بعقدٍ جديدٍ في مصر من خلال " الجماعة الوطنية " الناشئة نتيجةَ اشتراك الأقباط مع المسلمين في الكفاح ضد الاستعمار . ومع ذلك ظلَّ هناك من يشكّك في هذا الأمر مثل  زعيم الإخوان المسلمين  الراحل حامد أبو النصر الذي قال عام 1996 إنه لا يرى أن يشارك الأقباط في الجيش . لكنْ حتى لو اعتبرنا المسألة محلولةً في مصر بالطريقة السالفة الذكر ، كيف نحلُّها في الأقطار الأخرى التي فيها دياناتٌ أخرى إلى جانب الإسلام ؟ لا حلَّ لذلك في نظر محمد سليم العوَّا إلاّ بالعودة للقول بمرجعية الجماعة أو الناس وليس  الشريعة . فالأفضلُ ائتمانُ الناس على الإسلام لأنهم ضمانةُ وجوده واستمراره . أمّا جَعْلُ المرجعية رهينةَ نصوصٍ قابلة للتفسيرات المختلفة ، فلن يخدمَ الإسلامَ في شيئ . ثم إنَّ الشريعة ليست قانوناً ؛ بل هي نهج حياة ، وتجربةٌ زاخرةٌ في مدى التحقُّق باستمرار .

       وكان الإسلاميون الإحيائيون فيما بين الخمسينات والثمانينات شديدي التشنُّج تُجاه التعددية السياسية ، وأكثر تجاه التعددية الثقافية . إذ كانوا يرون في ذلك حيلةً للتهرب من المرجعية الإسلامية الحاكمة لكلّ ما عداها . وما يزالون حتى اليوم شديدي التشكك في التعددية الثقافية بالذات ، لأنهم يرون أن ثقافة الأمة واحدةٌ هي الإسلام ، والتنوع بداخله . لكنهم الآن يقرون التعددية الحزبية أو السياسية ، ويتحالفون مع أحزابٍ قوميةٍ وقَبَلية في الانتخابات ، وفي التظاهُرات في المناسبات الوطنية .ولهم كتاباتٌ كثيرةٌ في " تأصيل " التعددية والاختلاف من القرآن والسنة . وهم يعودون للتاريخ فيجدون أنَّ التجربة الإسلامية – بخلاف التجربة الأوروبية – تُقِرُّ التنوعَ والاختلافَ والاعترافَ بالآخَر . ومع ذلك فإنّ كثيرين منهم يخشَون من وضع عنوان " الليبرالية  " على رؤيتهم للاختلاف . كما أنه إذا خالفَهُم مسيحيٌّ عربيٌّ في أمرٍ من الأمور ، سُرْعانَ ما يعودون للاتهامات القديمة بعدم الأمانة للأمة أو للمجتمع .

       وفي المسألة السياسية ما عاد أحدٌ يتحدث عن نظرية الحاكمية . لكنّ الإسلاميين جميعاً معتدلين ومتطرفين يقولون بالدولة الإسلامية ، وتطبيق الشريعة . ويبدو أنّ الحركات الرئيسية للإخوان المسلمين في العالم العربي في مصر وسورية والأردنّ واليمن قد نبذت العنف فعْلاً . وهي تقول بالمشاركة من طريق الانتخابات . لكنها فيما عدا لبنان والأردنّ واليمن غير مسموحٍ لها بالتنظيم والعمل السياسي ، تارةً لأنّ الأحزاب الدينية محظورة ، وطوراً لعدم الثقة بقولها بالتعددية والتداول السلمي للسلطة . بيد أنه حتى في الدول التي يُمارَسُ فيها عليها الحظْر ، تتزعَّمُ وتقود حركات الاحتجاج في الشارع . ولأنّ الجمهور حسّاسٌ تجاه القضايا الرمزية ومن ضمنها قضية فلسطين ، والطابع الإسلامي للمجتمع والدولة ؛ فإنّ الإسلاميين هؤلاء ، والذين لا يُسمَحُ لهم بالمشاركة السياسية العَلَنية والشرعية، يظلُّون قادرين بسبب نزوعهم الاحتجاجي على استقطاب الجمهور ، كما يظلون عُرضةً للمزيد من الراديكالية تحت ضغوط الظروف السياسية والاقتصادية ، وحبّ كسب الشعبية .

       ولكي يكون واضحاً ما أقصِدُهُ بأنّ الإسلاميين الإحيائيين جُدُدٌ نسْبياً على الساحة ، وأنّ موقفَهم من العالم المعاصر معقَّدٌ أو مشكلٌ من ناحيةٍ ثانية ، أذكر بإيجازٍ رؤيتهم لمسائل حقوق الإنسان . فهم منذ الخمسينات ينقدون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بحجة أنه قائمٌ على الحق الطبيعي ، بينما يرون هم أنه ينبغي أن يتأسّس على الحق الإلهي . وبعد ذلك ينصرفون لاستعراض التجربة النصية والتاريخية  الإسلامية وعظمتها في رعاية الإنسان ، والمرأة ، والطفل  . ثم يعتبرون الغربَ منافقاً ، وعنصرياً ، ويكيلُ بمكيالين . لكنهم بدأوا في السبعينات والثمانينات يُصدرون إعلاناتٍ إسلاميةً لحقوق الإنسان تتأسس ظاهراً على القرآن والسنة ؛ لكنها تقلِّد في الحقيقة في جدول الأعمال والاستراتيجية الإعلان العالمي ؛ وتقول إنها في الإسلام ليست حقوقاً بل هي " تكاليف إلهية " بدليل النصّ عليها في القرآن .

       ويمكن فهمُ هذا الأمر على وجهين ؛ فهُمْ من ناحية يُصرّون على الخصوصية بإصدار بياناتٍ مستقلة ، لكنهم من جهةٍ أخرى يعبّرون على طريقتهم الخاصة عن رغبةٍ في المشاركة أو الإسهام في قيم العالم المعاصر . بيد أن الذي يبعثُ على العَجَب ، أنّ الإسلاميين هؤلاء ، والذين كانوا أشدَّ من عانى من غياب الديموقراطية وحقوق الإنسان ، والذين ما يزال عشرات الألوف منهم في السجون والمعتقلات ؛ تأخروا إلى هذا الحدّ للاعتراف بالديموقراطية وحقوق الإنسان . ثم إنهم حتى اليوم لا يقفون في مقدمة الصفوف في النضال من أجل  هذه المسائل في الوطن العربي والعالم الإسلامي .

          ويتصل بالقيم الإنسانية المعاصرة ؛ بل قد يكونُ المدخل الصالح لفهم هذه المسائل كلّها رؤية الإسلاميين للعالم ، أو للعلاقات به ومعه . فقد تراكمت خلال الخسمين سنـةً الماضية آلاف الكتب والمقالات الناقدة للاستشراق والتبشير والاستعمار ، باعتبارها منتجات غربية ، وللغرب كلِّه وبدون تحديدٍ أو تمييز . وفي الستينات والسبعينات سادت الفكرةُ القائلةُ إنّ الإسلامَ هو البديل من هذا الغرب الفاسد والضّال . في البداية كانت الأسبابُ تُذكَرُ ويمكن تلخيصُها بنزوع الغرب للسيطرة والاستعمار ، وظلم الناس ، والمسلمين بخاصة . ثم أُضيف لذلك سببٌ آخر هو إقامة الغرب حكوماتٍ فاسدةً لدينا . لكنْ في الستينات قيل إنّ الغرب شرٌّ على العالم ، وعلى المسلمين على الخصوص لأسباب تتعلق بالطبيعة الشريرة لذلك الجنس وتلك الحضارة – وللصراع التاريخي الدائر بيننا وبينهم منذ ما قبل الحروب الصليبية . المودودي كتب عن شيطان القومية الذي أتى به الغرب والذي سيدمِّرُهُ ويدمِّرُنا . وسيد قطب كتب عن معركة الإسلام مع الرأسمالية . وعمر فروخ ومحمد البهي عن الغرب والتبشيـر والاستعمار والاستشراق . ومحمد الغزالي عن معركة الإسلام مع الشيوعية . ومحمـد قطب وأنور الجندي وحبنّكه عن التأسيس اليهـودي للثقافة الغربية .. الخ . وقد عرف الإسلاميون الأوائل بعض الكتابات التي تتحدث عن انهيار الغرب . لكنْ منذ الستينات ؛ فإنّ شتم الغرب صار رمزياً ، ولا علاقةَ له بأمرٍ معيَّن . وقد يعلِّلُ ذلك سببَ عدم لجوء الإسلاميين المضطَهّدين للقيم والأدوات الغربية في مواجهة الأنظمة التي اضطهدتْهم . إذ كانوا يعتبرون أنفسَهم أصحابَ مذهبٍ جديدٍ مُناقض لهذه القيم الوضعية ، فضلاً عن اقتناعهم العميق بتآمُر الغرب على الإسلام وعليهم مع الأنظمة القائمة .

       بيد أنّ اللافتَ في الحقبة نفسِها لجوءُ كثيرٍ منهم إلى أوروبا وأميركا هرباً من الاضطهاد ، ومنذ أواسط الخمسينات . وفي الثمانينات بدأت تظهرُ الكتاباتُ التي ترى جوازَ وإمكانَ الحياة الإسلامية في الغرب فيما عُرف في أوساط رجالات التيار الرئيسي باسم " فقه الأقليات " – إلى أن قال المصريون ثم السوريون في التسعينات إنّ الإسلام دينٌ عالميٌّ ومشروعٌ عالميٌّ ، ونحن مطلوبٌ منا المشاركة في العالم من أجل التأثير فيه إيجاباً ، ومن أجل الإفادة من منجزاته ، والعيش فيه مع سائر الناس .  أما مسألتا دار الحرب ودار الإسلام فهما مسألتان تاريخيتان ذواتا طابعٍ قانوني ، ولا تتنافيان مع القول بوحدة العالم ، وقد انتهتا إلى غير رجعة ، ولم يبق إلاّ ما ورد في القرآن الكريم : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقٍسِطوا إليهم } وهذا في الداخل ؛ أما في العلاقة مع العالم فهناك الآية  الشهيرة في سورة الحُجُرات : { يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا . إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم } ؛ فلا سبب للخصومة مع جماعةٍ أو دولة إلاّ اعتداؤهم على الدين أو الأرض والوطن . وتنتهي الخصومةُ بنهاية ذلك – وغاية الغايات في الاجتماع البشري : التعارُف والاعتراف .

       لكنْ ، كما في المسائل الأخرى ؛ فإنّ الأحداث السياسية والثقافية تظلُّ مؤثّرة . فقد تصاعدت الأصوات ضد الولايات المتحدة والغرب في حرب الخليج الثانية ، كما في الأحداث الأخيرة في فلسطين ، وفي غزو العراق عام 2003 ؛ لكنّ هذه الحملات ما اقتصرت على الإسلاميين . ثم إنه لم تُستخدَمْ فيها المصطلحاتُ الدينيةُ التي يستخدمُها الإسلاميون عادةً ، إلاّ من جانب القاعدة ، وأنصارها الذين يقاتلون الآن بالعراق .

       بيد أنّ الذي أزعج الإسلاميين أكثر نقاش " صراع الحضارات " الذي أثاره هنتنغتون مطالع التسعينات . فقد أصرّوا جميعاً على حوارية الإسلام ، ودفاعية ممارسة الجهاد ؛ لكنـهم بعد المقدمة التسامحية كانوا ينصرفون لإظهار عدوانية الغرب . ويحدثُ الشيئُ نفسُهُ فيما يتعلَّقُ بابن لادن وأحداث 11 سبتمبر . فبعد مقدمةٍ في استنكار قتل المدنيين ، واستنكار الهجوم على الولايات المتحدة بدون سبب ، والقول بأنّ إسلام ابن لادن خاصٌّ به وليس هو إسلام المسلمين المتعارَف عليه ؛ ينصرف كلّ الكاتبين للشكوى من الولايات المتحدة ، ومن الغرب بشكلٍ عام ، ويذكرون الموقف في فلسطين والموقف في العراق ، ويستطردون أحياناً فيذكرون محورَ الشرّ ، والحملات على الإسلام في وسائل الإعلام العالمية .

 

                               *    *    *    *

 

       هل هناك تغييرٌ في روية العالم لدى الإسلاميين؟ وأين هو إسلام " التيار الرئيسي " أو التيار المعتدل اليوم ؟ وما هي إمكانياتُ " الإسلام الليبرالي " للظهور والتقدم  ؟ وما هي حظوظُ تشكُّل رؤية أخرى للعالم لدى الإسلاميين تعتبر التعددية الديمقراطية مبدأً بالداخل والخارج ؟

       أذكر أنني قرأتُ بالنيويورك تايمز مقالةً لكارين أرمسترونغ في العشرين أو الحادي والعشرين من سبتمبر 2001 دعتنا فيها نحن المسلمين إلى أن نستعيد الإسلام ممن خطفوه .وكرَّر هذا المطلب الرئيس بوش وآخرون من بينهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ، الذي اقترح علينا بالإضافة لذلك العودة للإسلام المعتدل ، إسلام الـMain Stream . وفكرة الـ Main Stream أو " السواد الأعظم " فكرة سنية قديمةعزيزة على قلوب رجالات التقليد الإسلامي ، لأنها تعني إسلام الأكثرية . فالإسلام السني أو الأرثوذكسي هو الطريق الوسط ،والآخرون فِرَقٌ وانقسامات ، يُقاسُ صِدْقُ إسلامها بمدى قُربها أو بُعدها عن الإسلام الأكثري في الاعتقادات والممارسات . والواقعُ أنّ هذه هي المشكلةُ اليوم .  فالإسلام السني لا يملكُ هرميةً محدّدةً ، ولا قانونَ إيمان ، ولا مرجعيةً مقدَّسة . وقد مكّنتْهُ هذه اللامركزية الواسعة من قبل  من البقاء موحَّداً رغم تنوعه واتساع بيئاته . لكنها تصبحُ مشكلةً في الأزمات ، مثل الأزمة التي نُعاني منها منذ عدة عقود . فقد قام الإصلاحيون بهجماتٍ شرسةٍ على التقليد الإسلامي ، شاركهم في ذلك السلفيون والإحيائيون . وحجةُ الطرفين أنّ التقليد الإسلاميَّ جامدٌ ،  وأنه مُطيعُ للسلطات وتابعٌ لها . وعندما حدث الاشتباك بين الإحيائيين والإصلاحيين واستطاع الأصوليون هؤلاء تنحية الإصلاحيين عن الساحة ، أقبلوا على مصارعة التقليديين المسلمين على المرجعية ، وكسبوا عليهم جولاتٍ بسبب نزوعهم الاحتجاجي الذي يجلبُ الشباب ، وقدرتهم على الاستجابة للتحديات بإجاباتٍ جاهزةٍ تعتمدُ التغيير الجذري استناداً إلى القرآن بطرائق رمزية ، كما هو معروفٌ عن الإحيائيين في الديانات الإبراهيمية . فالتقليديون القُدامى والجدد ( المتأثرون بالإصلاحيين ) ما عادوا منفرديين بالمرجعية ، أي الفتوى والاجتهاد ؛ ثم إنهم يُزايدون على الإحيائيين أحياناً بدواعي المُنافسة أو الاقتناع أو الاستضعاف ولهذا فهناك اليوم ؛ بل ومنذ عقدين من الزمان ، صراعٌ على روح الإسلام السني ، ليس بين الأصوليين المتشدددين والتقليديين ؛ بل بين الإحيائيين المعتدلين ، والتقليديين الجُدُد . ويحاولُ الإحيائيون الاستيلاءَ على المرجعية من طريق العودة لآليات الاجتهاد التقليدية شكلاً وظاهراً في عمليات إنتاج " تقاليد جديدة "Invented traditions  على طريقة Hopsbawm ؛ بينما يحاولُ التقليديون الجدد العودة لأُطروحات الإصلاحيين مطالع القرن العشرين وما بعد . وما ذكرتُ في الاستعراض السابق للمسائل غير الإحيائيين لأنّ فتاواهم واجتهاداتِهم هي المؤثرة في الجمهور اليوم ، على الرغم من أنَّ التقليديين الجدد ما يزالون أكثر انفتاحاً منهم .

       وأرى أنّ هذا هو المكان الملائم لمعالجة المسألة التي تحدث عنها المؤرّخ الكبير أريك هوبسباوم ، وأعني بها : إنتاج " التقاليد الجديدة" مع ما في هذه التسمية من مفارقة ، أي تقاليد وجديدة . التقليد الجديد الذي نجح الإسلاميون في إنتاجه في وعي سائر المسلمين وغير السملمين ، في العصر الحاضر ؛ هذا التلازُمُ بل الاندماج بين الدين  والدولة في الإسلام . والواقع أنّ كلَّ الديانات ذات الانتشار الجماهيري تؤثر وإن بطرقٍ مختلفةٍ في الشأن العامّ وصولاً لقيام الدول أو انهيارها . لكنّ السؤال أوالإشكال ليس في هذا التأثير ؛ بل في كيفية هذه العلاقة بين الدين والدولة ، وهل هي في مؤسسة واحدٍ أو مؤسستين ؟ وفي المسيحية والإسلام  القديمين ، وبخلاف اليهودية الأولى ؛ كانت هناك مؤسستان واحدة دينية ، والأخرى سياسية . وقد حدث النزاع التاريخي داخل المسيحية نتيجة محاولة المؤسّسة الدينية الاستيلاء على النظام السياسي .وما حدث نزاعٌ بين المؤسستين في الإسلام القديم إلاّ مرةً واحدةً عندما قال المأمون بخَلْق القرآن ، أي أنه تدخل في المسائل اللاهوتية ، وأراد إرغام الفقهاء والمحدِّثيـن وعلماء القرآن على القول بذلك . وباستثناء تلك الفترة القصيـرة بين 218 هـ و235 هـ كان هـناك اتفاقٌ على فصل السلطتين وتعاونهما إذا صحَّ التعبير ، أي الفصل بين الشريعة والسياسة ، وليس بين الدين والدولة . فالدولة ما كانت لديها صلاحياتٌ لاهوتيةٌ أو تشريعيةٌ ، والعلماء ما كانت لهم صلاحياتٌ أوسلطاتٌ  سياسيةٌ وإن ظلَّ كلٌّ من الطرفين مؤثراً بقوة في المجال الآخر أو على أطراف المجالين . والماوردي صاحب " الأحكام السلطانية " وهو كتابٌ في الفقه الدستوري يحدّدُ صلاحيات السلطة السياسية بأنها حراسةُ الدين وسياسة الدنيا – حراسة الدين ،  وليس المشاركة في تحديده أو الاجتهاد فيه فهي أمورٌ من صلاحيات الفقهاء .

       بيد أنّ شيئاً من ذلك لا يمكن الحديث فيه الآن ؛ بل ومنذ ستين عاماً  . أنهى مصطفى كمال ذاك التحالُف أو الاحتضان بين الإسلام والدولة . وقامت دولٌ مُحايدةٌ أو مُعادية أو مستتبعة للمؤسسة الدينية . وردَّ الإحيائيون الإسلاميون على لسان حسن البنا أنّ الإسلام دينٌ ودولة، مصحفٌ وسيف ؛ وصولاً لرؤية الحاكمية التي تُدغم الدولة في الدين ، بل تعتبر أنّ الاستيلاء على السلطة السياسية شرطٌ وجوديٌ لاستمرار الدين الإسلامي . وفكرة النظام الكامل والشامل في الإسلام ،والتي اكتملت في الحرب الباردة برنامج صراعي مع الدولة القائمة طبعاً ، ولا يمكن فهمُها من خلال الأفكار الجديدة للإسلاميين فقط ؛ بل هناك الهجمة السياسية والثقافية قبل الحرب الباردة وبعدها ، وهناك التجربة السياسية العربية والإسلامية ومصائرها ،  والتي سنعودُ إليها في الخاتمة . وما يُهُّمنا هنا أنّ الدمج بين الدين والدولة من خلال رؤية الحاكمية ، في تقليدٍ غير واعٍ لأنظمة الحكم العربية ذات الطابع الكوربوراتي ، زاد الإسلاميين بُعداً عن فكرة الديمقراطية وممارساتها في الستينات والسبعينات ؛ مع أنّ الإسلاميين باعتبارهم حركات جماهيرية كانوا الأقرب لاستخدام الديمقراطية في صراعهم مع الأنظمة الاستبدادية القائمة ، كما سبق القول . ولا شكَّ أنّ المراجعين من الإصلاحيين الجدد خرجوا من هذه الثنائية الصراعية .

       لكنّ أحداً منهم لا يجرؤ على مناقشة موضوعة : الإسلام دينٌ ودولة . بيد أنّ الموضوع يظلُّ حيوياً في بحوث ودراسات الإصلاح الإسلامي الحاضر والمستقبلي ، استناداً إلى ضرورات الإصلاح والمصالحة بين الدين والدولة في الوطن العربي ؛ بعد هذا الصراع المُهْلك الذي استمرَّ لخمسة عقود . لقد  قطع الإصلاحيون الإسلاميون الجدد من جماعات التيار الرئيسي شوطاً فعلاً في الخروج من الأصولية والدخول في العالم . وأكثر هؤلاء اليومَ من غير الحزبيين ، ثم إنهم في الغالب ذوو علاقاتٍٍ مقبولةٍ بالسلطات . ويُضافُ لذلك أنهم في الأكثر أقاموا تواصُلاً في العقدين الأخيرين مع مجلس الكنائس العالمي ، والكنيسة الكاثوليكية تحت عنوان : الحوار الإسلامي/ المسيحي . ومع أنّ رجالات الكنائس ما كانوا هم الوحيدين الذين تواصل معهم هؤلاء عن الجانب الغربي ؛ فإنهم كانوا الأكثر تأثيراً إيجابياً فيهم لجهة تغيير نظرتهم السابقة للغرب كأنه جبهةٌ موحَّدةٌ في مواجهتهم .

       وفي الوقت نفسه كانت هناك بعض التجارب الإيجابية في بلدانهم . فهم يعلمون اليوم أنهم يستطيعون التأثير والمشاركة في الحياة السياسية إذا انفتحت الأنظمة . فالقْدرُ المحدودُ من الانفتاح جلب لهم حوالي ثلث الأصوات في عدة بلدان . وعلى الرغم من أنَّ الأميركيين يقفون من وراء كلّ الأنظمة العربية تقريباً ؛ فإنّ الإسلاميين الجُدُدَ يعرفون أنّ الغربَ وحده يمكنه الضغط باتجاه التغيير والانفتاح ، وكل تغيرٍ باتجاه الديموقراطية سيكونُ لصالحهم . وهم يلاحظون تراجُعاً عن الانفتاح الديمقراطي منذ أواسط التسعينات ، سببُهُ توقّف الغرب عن الضغط من أجل ذلك ، بسبب سوء علاقاته بالإسلاميين . لكنْ إذا كان التغيير الفكري والسياسي الذي جرى ويجري في صفوف هؤلاء الإسلاميين ليس كافياً ( فما تزال أطروحة الدولة الإسلامية ، وتطبيق الشريعة قائمة ) ؛ فإنّ ذلك يعود بالدرجة الأولى لعدم قدرتهم على المشاركة في الحياة السياسية بالقوة والعلانية المطلوبتين والمرغوبتين . فقد تغيَّر الإسلاميون الاردنيون واليمنيون بالتدريج بسبب القدرة على الفعالية والحراك في البيئات السياسية ، وحرية التنظيم ، والتمكن من الوصول لمجلس النواب والوزراء  ، ومناصب الدولة الأخرى . ومع أنّ الجماعات العنفية ما عادت صادرةً عن انقساماتٍ في حركات التيار الرئيسي ( بل صارت لها تنظيماتها المستقلة تماماً منذ مطلع الثمانينات ) ؛ فلا شكَّ أنّ الانفتاح السياسيَّ ، ومُراعاة الحقوق السياسية ، وحقوق الإنسان ؛ في التعامُل معها ، أي مع جماعات التيار الرئيسي ، يمكّنُها أكثر من ضبط أعضائها ، وتجنيبهم الانزلاق نحو العنف تحت الضغوط الأمنية والاقتصادية والدواعي الرمزية .

       يحتاجُ الإسلامُ المعتدلُ إذن لكي يمارس مسؤولياتِه في التصدي لنزعات التشدد والعنف إلى رؤيةٍ أُخرى للعالم ، ولإمكانيات وفُرَص المشاركة فيه . وعلى الرغم من الكثير الذي قيل بعد 11 سبتمبر 2001 عن حاجتنا للعالم أكثر من جاحته إلينا ؛ فإنّ كتابات التظلّم والتشاؤم ما تزال هي السائدة لأسبابٍ أهمّها القضية الفلسطينية ، ووضع الأنظمة العربية بين المطرقة والسندان . ولستُ ممن يقيمون علاقةً ميكانيكيةً بين الواقع والوعي . لكنْ لا شكَّ أنّ حلَّ المسألة الفلسطينية حلاَّ مقبولاً ، سيرفعُ من أسْهُم المراهنين على علاقةٍ طيبةٍ وصحيةٍ بالعالم ، من قوميين وإسلاميين.

       وبعد هذه كلِّه ، نسأل سؤال هاملتون غب قبل حوالي الخمسين عاماً : Whither Islam ? إلى أين يتجه الإسلام ؟ يومَها رأى غب الأمَلَ في إسلام شبه القارة الهندية . بيد أنّ المشهدَ الذي عرضتْهُ طالبان ، وقدرة الأصوليين المتشددين على الاستيلاء على قرارِها ، وإحساس الأقلية الذي يُعاني منه المسلمون هناك تُجاه الهند ، يجعلُ الأُفُقَ أغبر بعض الشيئ . ويُبدي دارسون آخَرون خيبتهم تُجاه الإسلام العربي لبروز الأُصوليين فيه ، ويوجّهون النظر إلى اعتدال الإسلام الشرق أسيوي . بينما يرى باحثون عربٌ أنّ المسلمين في أميركا وأوروبا هم مستقبل الإسلام . لكنْ لا مستَنَدَ لهذه الرؤى غير الانطباعات الشخصية ، التي يُزيحُها Clifford Geertz  عن الطاولة بالقول إنه ليس فيما بين المغرب وإندونيسيا إسلامٌ واحدٌ ، بل عشرات الإسلامات. بيد أنّ طلال أسد يجيبه بالحديث عن وحدة الوعي أو الـ Perceptions أو رؤية العالم على مَديات واسعة في العالم الإسلامي . وهكذا ، فما هو المقياس فعلاً للقول بأنّ هذا الإسلامَ حَسَنٌ والآخَر سيئ أو أنّ هذا الإسلام ليبرالي وديمقراطي ، وذاك متشدّد ومنغلق ؟ فمن جوانب الصحوة الإسلامية التي لم تُدرَسْ بعدُ جيداً نهوضُ الحركات الصوفية بما يفوق الأصولية بعشرات المرات من حيث الحجم لا من حيث التأثير : فهل يشكل الإسلام الصوفي البديل للإسلام التأصيلي الإحيائي ؟ والواقع أنني لا أرى المشكلةَ في إسلام اليوم في هذه الأُطروحة أو تلك ، أو في هذه الممارسة أو تلك ، فالأديان الأخرى تشهد حركاتٍ إحيائيةً عنيفةً أيضاً . المشكلة في شعور كثير من المسلمين بعدم الراحة أو عـدم القدرة على التلاؤم مع العالم المعاصر . إنه نوعٌ من التشاؤمية الثقافية  Cultural Pessimism التي تبعثُ على الجمود والكآبة أكثر مما تبعثُ على العنف . وفي النهاية ربما لم يكن كثيرٌ من هذه الأسئلة وارداً أو مهماً لولا أحداثُ الحادي عشر من سبتمبر ، والتطورات في فلسطين والعراق . لذلك فالذي ينبغي أن نعملَ له نحن العرب على الخصوص : تصحيح العلاقة مع العالم ، أو المضيّ في تغيير رؤية العالم في مجالنا الثقافي والسياسي . فلست أعتقد أنّ مشكلات اليابان أو الصين في الثقافة كما في الاقتصاد والسياسة  مع الولايات المتحدة  ومع الغرب بشكلٍ عامٍ كانت أقلّ أو هي أقلّ اليومَ من مشكلاتنا . وهم عملوا ويعملون على معالجتها دونما جاجةٍ لإعلان الحرب ،ودونما حاجة لضرب مركز التجارة العالمي . الإسلام المنفتح ذو الإطار الواسع ، هو إسلام العلاقة الطبيعية مع العالم ، إسلام المسؤولية والمشاركة  والتأثر والتأثير والعيش المشترك ، وبناء المستقبل المشترك . لقد كانت تلك فلْسفةَ التجربة التاريخية في حضارتنا ، إذا لم يكن تكرارها ممكناً ، فلتكن لدينا الشجاعة والإرادة لمواجهة هذه التشاؤمية والكآبة التي تطبع رؤيتنا للعالم وعلاقتنا به . فهذه الكآبة ، وهذا الإحساس باللاجدوى ، واللذان ماعاد يمكن إرجاعُهُما لسببٍ محدَّد ، أصُلُهما الفشل المُريعُ للتجربة السياسية العربية . إذ لماذا يُنشئُ الناسُ دولاً ؟ ولماذا تُنشئُ الشعوبُ أو نُخَبُها كياناتٍ سياسية ؟ تفعل ذلك لهدفين اثنين : صون الوجود الوطني والقومي ، وتحسين حياة الناس وجعلها ذات معنى ، بمشاركتهم جميعاً  في إدارة شأنهم العام . وقد فشلت التجربة السياسية العربية في تحقيق أيٍ من هذين الهدفين . فالسيادةُ منتهكةٌ في كل مكان ، والوجود العسكري والسياسي الأجنبي يتزايد كل يوم ، وقد خربت عدة دولٍ عربية ، وهناك من يسير في طريق الخراب . وتتحدث الجماعات النسْوية العربية عن تمكين المرأة ؛ والواقع أنّ ما نحتاج إليه تمكين سائر الناس من المشاركة في إدارة الشأن العامّ . وكما كانت الاستبدادية العربية بين أهمّ أسباب استشراء الظاهرة الأُصولية ؛ فإنّ الإصلاح السياسي ، كفيلٌ بإخمادها في المدى المتوسط . وعندها يصبحُ الإصلاح الديني أسَهل ، ولا تعودُ هناك مشكلةٌ نظريةٌ أو عمليةٌ بين الإسلاميين والديمقراطية . إذ الذي أراهُ أنّ المشكلات السياسية والاقتصادية أكثر أهميةً وتأثيراً وبقاءً في الوعي من المشكلات الثقافية ، والتي تتبادلُ التأثير والتأثر مع العوامل السالفة الذكر . ولهذا أختم بالقول إنه بالنظر في نقاشات وممارسات العقدين الماضيين نستنتج أنه ما عادت هناك مشكلاتٌ كبرى فكرية أوعملية بين الإسلاميين ومسألة الديمقراطية في العالم العربي . ويظلُّ الإصلاحُ  الديني مهماً لتغيير رؤية العالم ، وعلائق الدين بالمجتمع والدولة في المجالين العربي والإسلامي . أما الضرورةُ الوجودية فالتغيير السياسي القوي ، الذي يُنتج بيئاتٍ للمشاركة الشاملة ، كفيلة بتبديل الأفكار والممارسات ، ليس لدى الإسلاميين  وحسب ؛ بل ولدى سائر الفئات الاجتماعية .